الحلقة: 130 — "الدولة المدنية تبي أحزاب" · استمع للحلقة كاملة
الضيفة: د. فيروز النعاس
التاريخ: 2 أبريل 2023
في خمسينات القرن العشرين، عبد الرحيم النعاس — والد فيروز — أنتج مجلة سياسية مكتوبة بخط اليد في ليبيا. أنتج خمستعش عدد. كل واحد اتجمع بخط اليد، اتنسخ بخط اليد، اتوزّع بخط اليد، في بلاد كانت في هذيك المرحلة مَلكية مستقلّة لكن مقيّدة، التنظيم السياسي فيها خارج القنوات المسموحة كان شغل خطر.
كلام فيروز:
"كان هو وأحد أصدقاءه يكتبوا في جريدة بخط اليد، وينشروا فيها. شوف، يكتب 15 عدد ومكتوبات بخط اليد، وينشرهم عندنا. واحد من الأعداد قاعد ينمحي... جريدة كانت من ضمن نشاطات جمعية عمر المختار."
— الحلقة 130
الخمستعش عدد كانوا بنية تحتية مدنية ليبية في منتصف القرن، ما كانت تنتجها أي مطبعة تجارية. الشغل اتعمل تحت غطاء جمعية عمر المختار — واحدة من جمعيات الشباب والنشاط المدني اللي كانت موجودة في ليبيا الملَكية، ساعتها كانت تحاول تشتغل في مساحة ضيّقة بين الشرعية الرسمية والنشاط السياسي.
كل عدد تعب يدوي. الكتابة على ورق بخط مقروء. النسخ بحبر يدوي مش بآلة طباعة. التوزيع من يد ليد، من بيت لبيت، عبر شبكة معارف ينطبق عليها أسلوب الحذر. ما عندك ضمان إنّ العدد يوصل لأكثر من بضع عشرات من القرّاء. الشغل، رغم هذا، يكمّل لمدة كافية لإنتاج خمستعش عدد.
الشغل ينتمي لفئة من الصحافة السياسية الليبية ما قبل القذافي ضاعت في معظمها في تاريخ البلاد اللاحق. السنوات اللي تلت 1969 ما حافظتش على هذه القطعة من الذاكرة العامة. اللي صار: تاريخ المجلات الليبية الحقيقي، اللي طُلب منه يكون رواية رسمية، اتمنح للجماهيرية. الشغل ما قبل-الجماهيري — زي شغل عبد الرحيم النعاس — اتدفع للهامش.
فيروز تذكر في الحلقة إنّ "واحد من الأعداد قاعد ينمحي." الجملة هذه نوع من العنوان للقصة كلها: المجلة كانت قطعة محفوظة هشّة من ذاكرة، تنقص بمرور كل سنة، تعاند إنّها تختفي بالكامل.
فيروز، في الحلقة، تتعامل مع المجلة مش كحنين بل كميراث حيّ — مثال على شن شكل الشغل السياسي لمّا القنوات الرسمية تكون مسكّرة. مرّت من والدها لجيلها: الإيمان إنّ الشغل السياسي يستحقّ التعب، حتى لو شكل الشغل تعب يدوي ما يصل لجمهور كبير. هي صارت أمين عام لحزب الجبهة الوطنية. الحزب نفسه يتعقّب نسبه لحركات المعارضة الأقدم، اللي اشتغلت من المنفى في الثمانينات والتسعينات. خط واحد يمتدّ: شغل سياسي يقوم به ليبيين، خارج القنوات الرسمية اللي ما تسمحش، عبر أجيال.
الخمستعش عدد ينتمي لنوع من الوثائق ضميري قاعد يجمعها كأرشيف: الشغل الليبي ما قبل-القذافي اللي ضاع، تقريباً بالكامل، من السردية العامة. كل قطعة تتسجّل من جديد هي قطعة تترجع للذاكرة. شغل عبد الرحيم النعاس قطعة. مجلة خديجة الجهمي للأطفال قطعة. شغل الراديو الليبي قبل التأميم قطعة. أسرار جمعية عمر المختار قطعة.
القصة، كذلك، عن الإرث المهني. فيروز ما اخترعت لروحها الشغل السياسي. ورثته. الجيل اللي ولد في الستينات أو السبعينات في ليبيا، وكبر تحت القذافي، ولكن ورث من قبل-القذافي مرجعية ما كانش النظام يقدر يلغيها بالكامل.