الحلقة: 56 — "الرحلة اللي ما ننصحكش اتديرها" مع أحمد من الزاوية · استمع للحلقة كاملة
التاريخ: رمضان 2016 (الحلقة سُجّلت في الموسم السادس، 2021)
المكان: الساحل الليبي → المياه الإقليمية الإيطالية
اللغة: عربي
أحمد من الزاوية أُصيب بشلل نصفي في 2013. الفقرات الرابعة والخامسة من العمود الفقري انكسرت لمّا شظايا رصاص اخترقت ظهره خلال ملاحقة على طريق جانبي في الزاوية. النخاع الشوكي تأذّى. السنوات اللي تلت كانت سلسلة عمليات في تونس ومصر، علاج طبيعي مكلّف، ومدّخرات عائلية انتهت. النظام الصحي الليبي ما كانش قادر يقدّم العلاج المناسب. النظام الصحي الأوروبي كان قادر، لكن الوصول إليه يعني اختيار الطريق غير الشرعي.
أمام أحمد كان قرار حياتي: يبقى في ليبيا ويتحمّل عبء العلاج المستحيل، أو يعبر المتوسط ويرى لو فيه أمل في ألمانيا.
في رمضان 2016، جا صديق لأحمد لزيارته. الصديق يشتغل في تهريب البشر. أحمد طرح الموضوع على أخوه محمد — البطل الثابت في القصة كلها. محمد رد بدون تردّد: "نطلع معاك."
عرضوا الفكرة على الوالد. الوالد، اللي كان أوّل ما سمع رفض، عاد وقال جملة محفورة في وعي أحمد:
"يا ولدي، أنا منحرّ معك ونقول لك لا، وتقول بعدين في المستقبل: بوي حرمني من فرصة أنّي نتعالج، وحرمني من مستقبل."
الوالد قبل. الأم رفضت في البداية، رضخت بعدها للأمر الواقع.
الصديق ضمن قارب صيد خشبي بمحرّك — مش زورق مطّاطي، اللي عادة يتسبّب في الغرق الجماعي. الكلفة 2,500 دينار للراس. القارب صعد على شاطئ صبراتة. عائلات مختلطة، بناتها صغار، شباب من بنغازي ومن غيرها.
اليوم الأول: البحر هايج. رجعوا. تاني يوم: نفس الشي. ثالث يوم — "والتالتة تابتة" — البحر هاد، طلعوا.
ساعة ونصف من الإبحار. تقريباً نص الطريق، أو شويّة قبله. الحرّاق المسؤول عن القارب كان يماشيهم في قارب جماعته. وفي اللحظة هذه قال جملة مفاجئة: "أنا ما نيش سايق." قفز من قارب أحمد لقارب جماعته، وتركهم في وسط البحر. ما حد كان يسوق. ما حد كان يعرف.
كان لازم يسوقها واحد. الشباب بدأوا يتبادلوا. واحد من المتزوّجين قال جملة قطعت: "نوض، أنت اللي عندك صغير، نوض أنت اسوق" — قاصد محمد، لأنّ معاه أخ مشلول. محمد ركّب على المحرّك. كان لابس "فستات الإطفاء" زي الباقين، حتى لو طايرة جابتها بالكاميرا، ما يعرفوش مين السايق. الشباب وقفوا حواليه يغطّوه.
محمد ما عنده تدريب بحري. بس دفع المحرّك للأمام. الإحساس بالأرض ينحسر. صبراتة تختفي بالتدريج. أحمد كان قاعد، يحاول يفهم: هل ماشي يموت في البحر؟ هل أهله بيسمعوا أوّل ما يصير؟ هل لو غرق القارب يقدر يشدّ نفسه؟ المشاعر كلها مختلطة.
المحرّك فصل بعد جوّة نصف ساعة. أمر طبيعي للقارب الصغير المحمّل، لكن في وسط البحر ضربة قاتلة. الجماعة جابوا قارب جنبهم بسرعة، وفسّروا للشباب: اطفوه، خلّيه يبرد، شغّلوه تاني. خمس عشرة دقيقة، اشتغل. مشيوا. فصل تاني. اطفوه، استنّوا، شغّلوه. خمس ساعات بدلاً من ثلاث ساعات.
في النهاية، شبّحوا بارجة بعلم ألماني خارج المياه الإقليمية الليبية، تحت إطار البعثة الأوروبية. هذي البارجات وقتها كانت تجمع المهاجرين، تنقلهم لبارجة كبيرة (بلا حدود)، اللي تجمع المئات قبل ما تتوجّه لإيطاليا. البارجة بعتت قارب صغير. أحمد اتشال زي عمليات الإسعاف، نزّلوه من القارب ورفعوه على البارجة. على البارجة الكبيرة كانت "كونترينرات" مفتوحة، تتعبّى بالمهاجرين. كانوا في الطريق لإيطاليا.
نزلوا في جزيرة في إيطاليا. حُطّوا في مخيّم. الإعانة اليومية كانت حوالي 2.50 يورو في اليوم. أحمد ذكر الرقم بدون إدانة، كحساب فني لمنظومة الاستقبال الأوروبية. من المخيّم، انتقلوا شمالاً. ألمانيا. هانوفر. علاج طبيعي. تشخيص: "خمس سنين بعد فوات الأوان."
"أنا ما نيش سايق." (الحرّاق، نص البحر، 2016)
"أنت اللي عندك صغير، نوض أنت اسوق." (متزوّج في القارب، يخاطب محمد)
"خمس سنين بعد فوات الأوان." (طبيب أعصاب ألماني، هانوفر)