الحلقة: 154 — "الطريقة الوحيدة للتعامل مع الخوف والصدمات" مع غسان عتيقة · استمع للحلقة كاملة
التاريخ: 1990، طرابلس
اللغة: عربي ليبي
غسان عتيقة كان في الثانية عشرة. العائلة عادت من العراق إلى ليبيا. الأب اعتُقل في سجن أبو سليم سنة 1990. الاعتقال كان من غير إعلان، من غير سياق، من غير معرفة بتاريخ خروج محتمل. هكذا اشتغل النظام: الاختفاء كان أداة بحدّ ذاته.
في تلك المرحلة، كان أبو سليم سجناً يضمّ المعارضين السياسيين الليبيين. العائلات لم تكن تعرف ما الذي يحدث داخله. الأخبار، حين تأتي، تأتي عبر همس، عبر صديق تواصل مع موظّف، عبر اتّصال متقطّع. اللاأيقين كان البنية التشغيلية للسجن من الخارج.
غسان كان طفلاً يحاول أن يعيش حياة طفل. المدرسة في الصباح، البيت في المساء. عائلة عمّه وعمّته بدأوا يجوءون أكثر للبيت. شيء كان يتغيّر، لكنّه لا يَفهم بدقّة ما هو.
في يوم في 1990، رجع غسان من المدرسة. أمّه دزّته يجيب خبزة وخضرة. هكذا تصرّفت العائلة في ذلك المساء — كأنّ هناك عزومة، كأنّ هناك ضيوف.
"ما عزومة وعمّتك جاي وعمّك جاي." (الحلقة 154)
غسان جاب الخبز والقصدير والخضرة. التطبيق ماشي. كلّ الأسرة موجودة. لكن صاحب العزومة، أبوه، ما جاش.
غسان سأل. العمّة قالت: "عنده شغل، طالع، مشي." العمّ قال شيئاً مشابهاً. التضارب في الإجابات بدأ يثير الشكّ.
دخل وقت العشاء. الأب ما يزال غائباً. غسان خشّ يبحث عن أمّه.
لقاها في الدار. تبكي.
غسان، وهو في الثانية عشرة، خاف. كلّ الإطار اللي شيّدته العائلة في تلك الأيّام السابقة من "كل شيء على ما يُرام" انهار في تلك اللحظة.
سألها. قال غسان: "نسبة فيت قتلك" — يعني سألها بصوت مرتجف، بنبرة طفل يحاول أن يحرّك السؤال خارج فمه. الأمّ، الصغيرة المسكينة كما يصفها هو في الرواية، كانت قد قاومت قدر إمكانها لتحفظ في البيت استقراراً نفسياً. لكنّ سؤال الطفل في تلك اللحظة بالذات كسر دفاعها.
ردّت بصوت واطٍ، مرعوب، ثلاث مرّات:
## "قتلوا بابا."
>
"قتلوا بابا."
>
"قتلوا بابا."
ثم: "مَنّو قتلوه."
غسان، في الحلقة، يصف اللحظة:
"بابا، يعني عليك أنته. قتلوا شن في. نسبة فيت قتلك. يعني بالصوت واطٍ، قتلوا بابا، عليه." (الحلقة 154)
التصحيح جاء قريباً. اعتُقل، لم يُقتل. لكن الأمّ، في تلك اللحظة الأولى، حسبت أن "قبضوا عليه" تعني بالضرورة "قتلوه". الفرق بين الاثنين كان، في ذلك النظام، فرقاً نظرياً.
"قلت لها: شن خطفوه؟ قبضوا عليه؟ قالت: قبضوا عليه." (الحلقة 154)
اللحظة، كما وصفها غسان، انغرست. الكلمة "قتلوا بابا" بقيت مزروعة فيه، حتى بعد ما تبيّن أنّ المعنى تَفصيلياً مختلف. الكلمة الأولى، اللحظة الأولى، تشتغل في الذاكرة بطريقة لا يستطيع التصحيح اللاحق أن يمحوها.
"المزروع عندك، اللحظة صارت." (الحلقة 154)
بعدها بدأت العَدّاد. سنوات الانتظار. الحضور أمام مكاتب الأمن لتسليم طعام أو ملابس لشخص في الداخل، من غير معرفة هل يصل. الأخبار المتضاربة. عبر سنوات السجن، ثم عبر افتراض الموت بعد مذبحة 1996.
القصّة تعمل في الحلقة 154 كمادة منشأ لكلّ ما يقوله عتيقة بعدها عن الخوف والصدمة. الجملة المنهجية التي يقدّمها في الحلقة — أن الصدمة تُعالَج بأن يُلتفت إليها، بأن تُسمّى، بأن يُعاد لقاؤها — مبنيّة فوق طفل في الثانية عشرة سمع جملة من أمّه فأنشأت داخله نظاماً عصبياً سيستغرق عقوداً ليفهمه.
## "قتلوا بابا." (الحلقة 154)
"المزروع عندك، اللحظة صارت." (الحلقة 154)