الحلقة: 56 — "الرحلة اللي ما ننصحكش اتديرها" · استمع للحلقة كاملة
التاريخ: 18 مايو 2021 (الموسم السادس)
اللغة: عربي
مكان التسجيل: عن بُعد — هانوفر/لندن
أحمد شاب ليبي من مدينة الزاوية، غرب طرابلس. أصيب بشلل نصفي في 29 يوليو 2013 وعمره 17 سنة. منذ 2016 يعيش في ألمانيا، وصلها بعد رحلة عبر المتوسط ركب فيها قارب صيد صغير من سواحل صبراتة. وقت تسجيل الحلقة كان عمره عشرين سنة وقاعد في هانوفر.
أحمد تواصل مع طارق برسالة صوتية. قال له: "نبي نحكي قصتي. معلش بنطولها لك شوية." اللقاء صار. الحلقة كلها قصته بصوته، مع طارق غالباً مستمع. أحمد ذكر اسمه الأول فقط، حماية لأهله وللناس اللي ساعدوه في الطريق.
أحمد كبر في الزاوية. قبل 2013 كان زي أي شاب ليبي يدرس في الثانوية، يخدم في عطلة الصيف ليساعد العائلة، ويحب الخروج مع الإخوة والقرايب. والده فلاح. أمه أمّ بيت. أخوه الأكبر محمد كان جنبه دائماً.
كانت العطلة الصيفية في رمضان. أحمد ركب مع أخوه محمد وقرايب ماشيين على فطور رمضاني عند الجدّة. الطريق الساحلي كان مسكّر، فأخذوا طريق جانبي. في وسط الرحلة، تعرّضوا لملاحقة من جماعة مسلّحة. السيارة بدأت تجري. الطلقات بدأت تنفجر. أحمد كان قاعد في المقعد الخلفي. شظايا الرصاص دخلت ظهره، وعلى أثرها انكسرت الفقرة الرابعة والخامسة من العمود الفقري. أصيب النخاع الشوكي. أخوه محمد ما تأذى. أحمد دخل في غيبوبة.
نقل لمستشفى الزاوية، ثم لمستشفى السبعة، ثم لتونس. الغيبوبة استمرت ثلاثة شهور. لما وعى لقى نفسه على جهاز تنفّس، ما يقدر يحرّك جسمه. كانت العملية اللي عملوها له في ليبيا ناقصة. أعادوها في تونس. الفقرات اتثبّتت بعد فوات الأوان النسبي.
سنة وشهور في تونس على حساب العائلة الخاص. سنة ونص في ليبيا في علاج طبيعي. سنة ونص في مصر، أيضاً على حساب العائلة. كل المدّخرات اتصرفت. النظام الصحي الليبي ما كانش يقدر يقدّم العلاج المتكامل. أحمد كان شاب في عزّ شبابه، صار "عبئاً" على عائلته بكلامه هو. أخوه محمد كان البطل. هو اللي يغسّله، يدوّش له، يلبّسه. سنوات من العناية اليومية بدون شكوى.
في رمضان 2016 جا صديق لأحمد لزيارته. الصديق يشتغل في تهريب البشر — "هجرة غير شرعية"، أو زي ما قال أحمد، "نقسان تجارة الرقيق". أحمد طرح الموضوع على أخوه محمد. محمد رد بدون تردد: نطلع معاك. عرضوها على الوالد.
الوالد رد بكلمة قال أحمد إنها محفورة في تاريخه: "يا ولدي، أنا منحرّ معك ونقول لك لا، وتقول بعدين في المستقبل: بوي حرمني من فرصة أنّي نتعالج، وحرمني من فرصة أنّي نمشي." الوالد قبل القرار. الأم رفضت في البداية، رضخت بعدها للأمر الواقع.
أحمد ومحمد طلعوا من الشاطئ في الزاوية مع عائلات ليبية. الصديق ضمن قارب صيد خشبي بمحرّك — مش زورق مطّاطي. الكلفة 2,500 دينار للراس. اليوم الأول، البحر هايج، رجعوا. اليوم الثاني، البحر هايج، رجعوا. اليوم الثالث طلعوا.
في نصف الطريق تقريباً — ساعة ونص في البحر — الحرّاق اللي مفروض يوصّلهم قال: "أنا بننزل." قفز من القارب إلى قارب جماعته اللي كان يماشيهم، وتركهم في وسط البحر بدون أحد يعرف يسوق. شباب القارب اضطروا يبدّلوا على بعضهم على المحرّك. وقتها واحد متزوج اقترح إنّ محمد، اللي عنده أخ مشلول، هو اللي يسوق. محمد ركّب على المحرّك. الشباب وقفوا حواليه باش يغطّوه لو طايرة جابتهم بالكاميرا.
المحرّك فصل مرّة، فصل مرتين. كل مرّة كانوا يطفوه، يستنّوا يبرد، ويشغّلوه تاني. خمس ساعات بدل ثلاث. بعدها شبّحوا بارجة بعلم ألماني خارج المياه الإقليمية. أرسلت لهم قارب صغير. أحمد اتشال زي عمليات الإسعاف، ركبوه على البارجة. كانت البارجة الألمانية تجمع المهاجرين لحدّ ما تتعبّى وتنقلهم لإيطاليا.
شوف: عبور المتوسط
نزلوا في جزيرة في إيطاليا. كان فيه عنف بين المهاجرين بسبب التضييق والاكتظاظ. حُطّ في مخيّم. الإعانة اليومية كانت حوالي 2.50 يورو. ذكر الرقم بدون إدانة — كحقيقة حسابية لمنظومة الاستقبال الأوروبية. من إيطاليا انتقلوا شمالاً، حتى وصلوا ألمانيا.
في ألمانيا، طبيب الأعصاب اللي فحصه قاله بصراحة: لو الإصابة عُولجت في ألمانيا وقت ما حصلت، كان فيه فرصة فعلية لاستعادة جزء من الوظيفة. وقت ما وصل لألمانيا، النافذة الزمنية اتسكّرت. كلمته: "خمس سنين بعد فوات الأوان." أحمد نقل العبارة بدون مرارة. الحقيقة الطبية ما كانتش إدانة شخصية لحد. كانت إدانة لمنظومة عاجزة، لسنوات الحرب اللي ضربت الطبّ الليبي، وللطريق اللي وصّله للعلاج بعد ما الفترة الحاسمة فاتت.
أكثر لحظة لافتة في الحلقة كانت لما أحمد قال إنه سامح اللي ضربوه بالرصاص. ما عرض الموقف كأداء ديني ولا كأداة علاج نفسي. كان موقف وصل له بعد سنين من حمل البديل. شرح إنّ الحقد كان أثقل من الغفران. الغفران ما رجّعش له ساقيه، ولا ألغى السنوات اللي راحت في المستشفيات والمنفى. بس وقّف الحقد من إنه يستمر يشتغل في داخله.
أحمد قال إنّ رسالته من الحلقة بسيطة: "ننتصر على الشي الصعب اللي صار معنا." كذلك حذّر من الرحلة بشكل مباشر — قال للمستمعين إنه ما ينصحش حد بيها. رحلة "ما ننصحكش اتديرها" بقت عنوان الحلقة.
"أنا منحرّ معك ونقول لك لا، وتقول بعدين: بوي حرمني من فرصة أنّي نتعالج، وحرمني من فرصة أنّي نمشي." (الحلقة 56 — والد أحمد)
"ننتصر على الشي الصعب اللي صار معنا." (الحلقة 56)