الحلقة: 116 — "الهوس بالماضي حيفهمك الحاضر — مع علي أحميدة" · الحلقة كاملة
اللغة: عربي، مع مصطلحات أكاديمية إنجليزية
البروفيسور علي عبداللطيف أحميدة مؤرّخ ليبي-أمريكي وأستاذ علوم سياسية في جامعة نيو إنغلاند الأمريكية، حيث أسّس قسم العلوم السياسية. مؤلّف كتاب Genocide in Libya: Shar, A Hidden Colonial History (راوتلدج، يناير 2021) — أوّل كتاب أكاديمي بالإنجليزية يوثّق الإبادة الاستعمارية الإيطالية في ليبيا (1929-1934) بوصفها إبادة جماعية. من أعماله السابقة The Making of Modern Libya (1994، طبعة منقّحة 2009)، وForgotten Voices (2005)، وPost-Orientalism (2009).
انولد في مدينة هون الواحاتية الصغيرة في منطقة الجفرة في وسط ليبيا، واتربّى في سبها، عاصمة الجنوب. جدوده من ناحية الأم والأب كانوا مجاهدين سنوسيين قاتلوا الجيش الاستعماري الإيطالي. الكتاب اللي كتبه في الستينات من عمره هو، جزئياً، استرداد للعالم اللي وُلدوا فيه والعنف اللي محاه.
أحميدة هاجر للولايات المتحدة لإكمال الدراسات العليا، وقعد هناك يبني مسيرته الأكاديمية. حياته المهنية تقع داخل الجامعة الأمريكية، لكن العمل الميداني له يقع في شرق ليبيا وجنوبها. لأكثر من عشر سنين، كان يرجع كل صيف يقابل الناجين وأبناء الناجين والمؤرخين الشفويين في المناطق اللي شغلتها المعتقلات الإيطالية — العقيلة، سلوق، المقرون، الأبيار، المرج. أجرى البحث الميداني أساساً باللهجة الليبية الدارجة وبالشعر الشعبي — جزء كبير من ذاكرة السكان للمعتقلات كان محفوظاً في الشعر الشفوي، مش في السجلات المكتوبة. الأكاديميا الإنجليزية ما طرحتش الأسئلة. الشعراء الليبيون جاوبوا عليها على كل حال، طوال قرن.
أحميدة فتح الحلقة بالسؤال المركزي في مسيرته: ليش الإبادة الإيطالية-الليبية بين 1929 و1934 — اللي مات فيها حوالي 60 ألف ليبي في معتقلات تركيز في برقة — غايبة شبه كلياً عن التاريخ الأوروبي والعالمي للقرن العشرين؟ إجابته جمعت خطوط متعدّدة: الدولة الإيطالية ما مرّتش بعملية نزع نازية (denazification) بعد الحرب العالمية الثانية، والأرشيف الاستعماري ما اتفتحش ولا اتقاضي زي ما الأرشيف النازي اتفتح؛ الدولة الليبية في عهد الملك إدريس وبعده القذافي ما أنتجتش الكتابة التاريخية الأكاديمية اللي كانت ممكن تدخل النقاش العالمي بالإنجليزي؛ والناجون كانوا بدواً، أمّيين بالمعايير الغربية، وشهاداتهم محفوظة في الشعر الشفوي مش في الوثائق اللي تعتبرها المنظومة الغربية مصادر.
شوف: الإبادة الاستعمارية الإيطالية
وصف معتقل العقيلة بالتفصيل. كان واحد من أكثر من عشر معتقلات بنتها الإدارة الاستعمارية الإيطالية سنة 1929 لكسر المقاومة البرقاوية بقيادة عمر المختار. السكان المدنيين في الجبل الأخضر اتهجّروا قسراً لمعتقلات الصحراء. الظروف كانت معايَرة على القتل البطيء: حدّ أدنى من الأكل والماء، تعرّض للشمس والبرد، إعدامات جماعية، شنق علني للردع. الرقم 60 ألف هو التقدير الأدنى لعدد اللي ماتوا في المعتقلات وفي مسيرات الترحيل اللي كانت تغذّيها، من إجمالي سكان برقة وقتها اللي كان حوالي 225 ألف — وهذا يخلّيها، نسبياً، واحدة من أعنف الأحداث الديموغرافية في القرن العشرين الاستعماري.
شوف: معتقل العقيلة
من أهم اكتشافات الكتاب الوثائقية: مخطّطو النظام النازي درسوا منظومة المعسكرات الإيطالية-الليبية كنموذج عملي عند تصميم البنية الخاصة بهم في الثلاثينات. المعتقلات الإيطالية سبقت النازية بحوالي عقد كامل. تدفّق المعرفة الإدارية كان من روما لبرلين، مش العكس. أحميدة طرح إنّ السردية العالمية الراسخة — اللي تضع النازيين كأصل والفاشيين الإيطاليين كشريك أصغر ساذج — تعكس التسلسل الزمني والتأثير في هذا المجال تحديداً.
شوف: النازيون درسوا ليبيا
وصف الشكل العملي لأكثر من عشر سنين من العمل الميداني الصيفي. سافر للقرى والمدن اللي قامت فيها المعتقلات، قعد مع المسنّين وأحفاد الناجين، وسجّل الشعر الشفوي اللي حمل الذاكرة عبر الأجيال. قارن الشعر بالأرشيف الاستعماري الإيطالي الجزئي اللي اتفتح، وبسجلات الكنيسة الإقليمية، وبالشهادات الليبية القليلة اللي وصلت للطباعة في السبعينات والثمانينات. الشعر، لمّا تعامل معاه كدليل مش كزخرف، وفّر الأسماء والتواريخ وروتين المعتقلات اللي سجّلها الأرشيف الاستعماري بلغة إدارية مغسولة.
جدّاه من ناحية الأم والأب كانوا مقاتلين سنوسيين — أعضاء في الطريقة الصوفية اللي نظّمت المقاومة المسلّحة والسياسية ضد الاستعمار الإيطالي تحت قيادة عمر المختار. ما قدّمش هذا كتفسير لاختياره للموضوع. قدّمه كحقيقة عن الذاكرة العائلية اللي تربّى داخلها. الكتاب ينتمي لخط مستمر من المقاومة — مسلّح في جيل جدوده، شعري في جيل الناجين، أكاديمي في جيله هو.
العنوان العربي للحلقة — "الهوس بالماضي حيفهمك الحاضر" — هو صياغة أحميدة نفسه. الحجّة بنيوية. الأمراض الليبية في القرن الواحد والعشرين — ضعف الدولة، غياب الأرشيف الوطني، العلاقة الهشّة بين المركز والأطراف، الوضع المتنازع عليه للإرث السنوسي — مش اختلالات حرّة طافية. تجلس على شرخ بنيوي عمره مئة سنة أنتجته الإبادة الاستعمارية، وما اتعالجش. رفض النظر للشرخ هو، في تصوّره، الطريق الأكيدة لمواصلة استنساخ آثاره.
"الهوس بالماضي حيفهمك الحاضر."
— الحلقة 116، عنوان الحلقة