الحلقة: 131 — "عبّر عن نفسك تصبح بطل — منصور بوشناف" · استمع للحلقة كاملة
التاريخ: 9 أبريل 2023
اللغة: عربي ليبي
منصور بوشناف كاتب مسرحي وروائي ليبي كبير. مؤلف العلكة (2008) — رواية قصيرة دارت أحداثها في طرابلس، اتمنعت في ليبيا بعد ما طلعت بفترة قصيرة — والكلب الذهبي (2012). قضى اثنا عشر سنة في ثلاثة من أسوأ سجون ليبيا — الكويفية، الحصان الأسود، أبو سليم — من 1976 لـ 1988، لأنّه كتب مسرحية اسمها عندما تحكم الفئران وعمره تقريباً واحد وعشرين سنة. واحد من أكثر الشخصيات تأثيراً في الأدب الليبي في أواخر القرن العشرين وأوائل الواحد والعشرين.
كذلك، في روايته الخاصة، هو راجل علّم نفسه الإنجليزية والفرنسية والإيطالية داخل الزنزانة، قرا غارسيا ماركيز وهمنغواي والكانون الأوروبي الحداثي بلغاتها الأصلية، وقضى عقود يمشي في الصحراء الليبية — على تقديره حوالي عشرة آلاف كيلو إجمالاً — يوثّق الفن الصخري، الأبنية الهرمية، والحضارات الليبية ما قبل الإسلام اللي سجلها الأركيولوجي، حسب روايته، غير مدروس بشكل ممنهج.
في عمر العشرة، منصور كتب رسالة لخديجة الجهمي — الإعلامية الليبية الرائدة، مؤسّسة أول مجلة أطفال في البلاد وواحدة من أهم النساء في الحياة العامة الليبية في القرن العشرين. الرسالة كانت قطعة كتابة من طفل لأكبر امرأة في إعلام البلاد. الجهمي ردّت. التبادل اشتغل، في صياغة منصور هو نفسه، كتأكيد مبكّر إنّ كتابة طفل ليبي هي، فعلياً، كتابة — إنّ فعل إنتاجها مش خيال خاص، بل خطاب عام.
التفصيلة مذكورة مش كأسطورة تأسيس بل كواقعة سيرة. الراجل اللي حيتحبس بعد فترة على كتابة مسرحية كان، في عمر العشرة، قاعد أصلاً يمارس الكتابة ويتبادل رسائل مع راعية الأدب الأهم في البلاد.
في عمر الواحد وعشرين تقريباً، منصور كتب عندما تحكم الفئران — مسرحية عنوانها يعلن محتواها السياسي. المسرحية ما كانتش رمز مغمض يحتاج جهد تفسيري عشان يتفكّ. كانت استجواب مباشر من كاتب شاب لسؤال شن يصير لمّا الحكام السيئين يوصلوا للسلطة.
اتقبض عليه. القبض كان بداية حكم اثنا عشر سنة سجن.
منصور قضى الحكم في ثلاثة من أكثر السجون شُهرة في ليبيا:
الحكم امتد من 1976 لـ 1988. خشّ السجن في عمر الواحد وعشرين تقريباً، وطلع وعمره ثلاثة وثلاثين تقريباً. الاثنا عشر سنة هي السنين اللي السيرة المعتادة تخصّصها للكاريير المبكّر، الجواز، تأسيس القاعدة المهنية. منصور قضّاها في الداخل.
أكثر ادعاء سيرة لافت لمنصور هو إنّ السجن أنقذه من نوع ثاني من الموت — موت إنّه كاتب ليبي شاب ينشغل بسطح السياسة في بلاده بلا القراءة العميقة اللي يحتاجها باش يكتب حاجة تبقى. داخل الزنزانة، علّم نفسه الإنجليزية. علّم نفسه الفرنسية. علّم نفسه الإيطالية. قرا غارسيا ماركيز بالإسباني. قرا همنغواي بالإنجليزي. قرا الكانون الأوروبي الحداثي بلغاته الأصلية. تعامل مع الزنزانة كقاعة قراءة بإقامة طويلة.
كلامه، يستحضر فيه محمود درويش:
"أنقذتني من الموت زنزانة، فهمتني في جوانب معينة. أنقذنا السجن من هذا الخراب العظيم. كأني صار زلزال في هذا البلد وأنت فيها، صخرة سقطت عليك تحتها أنت، لكن حمتك من هذا الخراب."
— الحلقة 131
الجملة هي الصيغة المضغوطة لحجته اللي ترفض سردية الناجي السجين التقليدية. الزنزانة ما كانتش انقطاع عن حياته. الزنزانة كانت الفترة اللي اتعمل فيها حياته ككاتب.
بعد إطلاق سراحه، كتب منصور روايتين أسستا سُمعته الدولية:
الكتابين اتمنعوا من أنظمة عندها مواقف أيديولوجية مختلفة لكن ردود فعل متطابقة تجاه أدب ما يتزلّفش لها.
منصور قضى أجزاء كبيرة من العقود ما بعد الإفراج يمشي في الصحراء الليبية. تقديره الشخصي حوالي عشرة آلاف كيلو إجمالاً. الشغل كان أركيولوجيا هاوية متواصلة: توثيق الفن الصخري، الأبنية الهرمية، الحضارات الليبية ما قبل الإسلام اللي سجلها — حسب روايته — غير مدروس بشكل ممنهج من المؤسسة الأركيولوجية الليبية الرسمية.
المشي مقدّم في الحلقة مش كحاجة غريبة بل كاستمرار للقراءة اللي بداها في السجن. الماضي الليبي، في صياغته، مكتبة ما اتقريتش لأنّها ما اترسمتش. المشي هو الرسم.
"أنقذنا السجن."
— الحلقة 131
"أنقذتني من الموت زنزانة، فهمتني في جوانب معينة."
— الحلقة 131 (يستشهد بمحمود درويش)