الحلقة: 154 — "الطريقة الوحيدة للتعامل مع الخوف والصدمات" مع غسان عتيقة · استمع للحلقة كاملة
التاريخ: يونيو 1997، طرابلس (وقفة عرفة)
اللغة: عربي ليبي
والد غسان عتيقة اعتُقل في سجن أبو سليم سنة 1990. العائلة لم تكن تعلم تفاصيل التهمة، ولا مدّة الحكم، ولا تاريخ خروج. الزيارات كانت متقطّعة. الأخبار شحيحة.
في يونيو 1996، حدثت مذبحة أبو سليم — قتل ما يُقدَّر بـ1,270 سجيناً في عمليّة واحدة. لم تُعلَن المذبحة رسمياً، لكنّ شائعاتها تسرّبت. عائلات السجناء بدأت في الافتراض، الواحدة بعد الأخرى، أن أبناءها وأزواجها كانوا من ضمن الموتى.
عائلة عتيقة لم تَعد تقدر على رؤية الأب أو سماع أخبار موثوقة عنه بعد 1996. الافتراض الداخلي تشكّل:
"وصلت في نقطة أنّه ممكن حتى هو واحد من ضحايا. وكلّ العلامات اللي تدلّ على اللي صار في المذبحة، على الأخبار اللي صارت، إنها مش راكب الموضوع... وصلت في قناعة داخلية أنّه توفّى. وقبلتها." (الحلقة 154)
غسان كان حينها في السابعة عشرة. تقبّل الموت. أنشأ ما يسمّيه في الحلقة "closure" — إغلاق ذهنياً وأكمل حياته.
في يونيو 1997، وقت وقفة عرفة أو اليوم اللي قبله، بدأ التداول بأن قراراً صدر بإطلاق سراح بعض السجناء. غسان، الذي اعتاد على ألاّ يثق بأيّ خبر يخرج من النظام، شكّ.
"نظام تتوقّع منه كلّ حاجة. توقّع منه إنه عادي جدّاً، طلعوا لك خبر كذا، هو يكون نوردي، ميّت ولا في خطأ. صار أنّه مثلاً، القذّافي قال يطلع، واللي معاه هو ما يعرفش. كلّ شيء وارد في ليبيا." (الحلقة 154)
العائلة بدأت تنتظر في عمارة قريبة من دار المراسم في طرابلس. وجوه أناس من درنة، الجدّ، الناس كلّها جدّ. الانتظار من الصباح.
العصر مرّ. لا شيء. المغرب مرّ. لا شيء.
غسان خشّ يرقد. متقبّلاً سيناريو في رأسه: السيناريو الأسوأ. خطأ في الإفراج. واحد أعطى أمراً، آخر نقضه. الإفراج لم يصر. ربّما يكون قد أُعدم بدلاً من إطلاقه. كلّ شيء وارد.
في اليوم التالي، الأم دزّت غسان يجيب خضرة وخبزة. خرج للسوق، اشترى ما طُلب، رجع للحوش، فتح الباب.
في وسط الناس، قُدّامه.
والده. حيّ. ميّت في ذاكرة غسان منذ 1996. هنا، في الحوش، يبكي.
"خشّيت تلقى وقف قدّامك. كانش عندي ردود فعل. فرحت، لكن دماغي نفسه خلاص عرفت — وما باش يعدّل." (الحلقة 154)
والأب نفسه، كان يبكي على ابنه. غاب عنه سبع سنوات. آخر مرّة رأى غسان، كان ابن الثانية عشرة. الآن في التاسعة عشرة. الأب لم يعرفه:
"هو لمّا خشّ، تقريباً، صار له فيديو. يقول: وين غسان؟ وقعد يبكي. يحسبني صار لي حاجة. لأنّه ليش مش قاعد نستنّى فيه حتى." (الحلقة 154)
الأب، طبعاً، حتى هو ما عنده زيرو ثقة في الإفراج. في طريقه من السجن، كان يحسب أنّهم يأخذونه ليُعدَم. كلمة "إفراج" في النظام القذّافي كانت قد تكون مقدّمة لشيء آخر.
القصّة تعمل في الحلقة كمثال على نوع غريب من العودة — ليس عودة منتظرة، بل عودة شخص افتُرض موته. الفرح، حين جاء، جاء مكسوراً. غسان يصف ردّ فعله: "كانش عندي ردود فعل." الجهاز العاطفي كان قد أُعِيد ترتيبه حول غياب الأب. عودته احتاجت إعادة ترتيب أخرى، أبطأ، وأكثر إيلاماً مما يبدو من الخارج.
السنوات اللي تلت لم تكن سنوات لمّ شمل. كانت سنوات إعادة دمج. غسان كان قد أصبح "الواجهة في البيت"، كما يقول، باستلهام عنوان كتاب هشام مطر "في بلد الرجال" (In the Country of Men). الأم، الأخوة، العائلة كلّها كانت قد رتّبت نفسها حول غيابه. الآن لا بدّ من إعادة الترتيب حول حضوره.
غسان وصف الجزء التالي بأنه ثمن لم تكن العائلة مستعدّة له. الأب يحتاج تأهيلاً للعودة. العائلة تحتاج تأهيلاً لاستقباله. السنة التالية، 1998، كانت السنة التي بدأ فيها غسان جامعته. في 1999، خرج من ليبيا.
"خشّيت تلقى وقف قدّامك. كانش عندي ردود فعل. فرحت، لكن دماغي نفسه خلاص عرفت — وما باش يعدّل." (الحلقة 154)
"كلّ شيء وارد في ليبيا." (الحلقة 154)