الحلقة: 68 — "لماذا نحن هكذا؟" مع د. يوسف الصواني · استمع للحلقة كاملة
التاريخ: منتصف الستينات
المكان: منطقة الزهراء، جنوب غرب طرابلس
اللغة: عربي
في 1964، توفّي جدّ د. يوسف الصواني. تقاسم الأبناء التركة. والد يوسف، الفلّاح البسيط، أخذ نصيبه — أرض. القطعة اللي طلعت له كانت مطلّة على الطريق الرئيسي بين كوبري السبعة والعشرين والزهراء (طريق الزهراء، اللي ازدوج لاحقاً في 1980). الوالد فكّر يعمل بقالة صغيرة على الطريق.
السبب الأوّل ما كانش بحثاً عن دخل إضافي بحت. كان جرحاً.
في يوم من تلك السنوات، الوالد مشى لبقالة موجودة في المنطقة. صاحب البقالة كان شخص يجلس معه عادة مجموعة من المتعلّمين والمشايخ. الوالد سلّم. ردّ صاحب البقالة. الوالد طلب: "اعطيني خبزة ولا اتنين."
صاحب البقالة قال إنّ الخبز خلص. شاف خبزة فاسدة، متعفّنة، مرمية. أخذها وطرحها أمام الوالد.
"هذي تنفعك. سيدي، أنتم ما تعرفوش تديروا الخبزة الطابونة، ولا الفطيرة، ولا خبزة ملطوطة."
الإهانة كانت مزدوجة. أوّلاً، إنّه يقدّم خبزاً متعفّناً لزبون. ثانياً، إنّه ينعت عائلة كاملة بأنّها لا تعرف إعدادها. الفطيرة، الطابونة، الملطوطة — كلها أنواع خبز ليبي تقليدي. المعنى الضمني: "أنتم نقصة، ما تعرفوش حتى تخبزوا."
الوالد ما ردّ على الإهانة في اللحظة. ابتلع. مشى. لكن الجرح بقى.
في وصف يوسف لروايته على والده:
"غزرتني العبرة، ومشيت. يعني بعده قرّر إنّه ادير الدكان هذا. لازم بيدير دكان وتبدا فيه الخبزة متوفّرة، يبدا فيه كل شي بيه هو يحتاج ليديرها."
الوالد فتح بقالته الخاصة. في البداية كانت بسيطة — طماطم، زيت، شويّة معكرونة، دقيق، قهوة، حليب، حلوى، دخّان، شاي. بضائع بسيطة. لكنّها كانت ملاذاً.
البقالة بسرعة صارت صالوناً. المنطقة كانت فيها بقالة واحدة سكّرت لاحقاً. بقالة والد يوسف صارت ملتقى المشايخ والمدرّسين والمتعلّمين وعامة الناس. كل عشيّة، يجو على الشاي، يهدرزوا، يسمعوا الراديو سواء كان صوت العرب أو الإذاعة الليبية. يقرأوا الجريدة (يوسف كان يقرأها لهم لما بدأ من الصف الرابع، لأنّ كثير منهم أمّيون).
من الصف الرابع، يوسف كان يقعمز في الدكان مع والده. يستمع للخالد العم الطاهر يحكي عن التاريخ. للحاج العابد يستعيد ذكريات الحركة الوطنية. للراديو الليبي يبثّ "حديث" الشيخ محمد حقيق، اللي يلازم الناس بأمثال شعبية وحكم.
الدكان صار بوّابة يوسف للعالم.
سنوات أكثر تعليماً منه من المدرسة الابتدائية. هناك تعلّم القراءة الحرّة (مجلتي "العربي" و"الرسالة" اللي عرّفه عليهم العم الطاهر). هناك تكوّنت مدوّنته الفكرية. هناك سمع الحركة الوطنية تتذكّر نفسها، الإذاعات تنقل، المشايخ يفسّرون. التعليم اللي حصل في الدكان كان أعمق من التعليم اللي حصل في فصل المدرسة.
والإهانة الأصلية — الخبز المتعفّن — اتقلبت. الوالد، اللي اتقاله إنّه ما يعرفش يدير خبزة، فتح دكان فيه كل أنواع الخبز.
"هذي تنفعك. أنتم ما تعرفوش تديروا الخبزة الطابونة، ولا الفطيرة، ولا خبزة ملطوطة." (صاحب البقالة، الزهراء، الستينات)