الحلقة: 142 — "تعلّم تتحمّل مسؤولية نفسك" مع جمعة بوكليب · استمع للحلقة كاملة
التاريخ: السبعينات والثمانينات، بريطانيا
اللغة: عربي ليبي
جمعة بوكليب وصل لندن في أوائل السبعينات، طالباً. بعدها بفترة، انتقل ليسكن في برايتون، المدينة الساحلية الإنجليزية على بُعد ساعة بالقطار من العاصمة. كان يشتغل في لندن، فالقطار صار وسيلته اليومية: برايتون-ڤكتوريا في الصباح، ڤكتوريا-برايتون في المساء. ستّ مرّات في الأسبوع.
كان ذلك في وقت كان فيه الوصول إلى الإعلام العربي محدوداً جدّاً داخل ليبيا. الحدود الإذاعية كانت بنية تحتية للسلطة، وراديو الدولة كان قناة معلومات أحادية. لكن في لندن، عبر الراديو القصير الموجة وعبر بي بي سي، كان عالم آخر مفتوحاً — إذا كان عندك جهاز.
بوكليب كان عنده جهاز. راديو ترانزستور صغير. لم يكن غير معتاد كأداة في تلك الفترة، لكن استخدامه كان غير معتاد.
كل صباح، يدخل القطار في برايتون. يجلس. يفتح الراديو. يسمع طول الطريق إلى ڤكتوريا. كل مساء، نفس الشيء بالعكس.
"من برايتون للندن. كان راديو. زي الإسفنجة، تمتصّ." (الحلقة 142)
البي بي سي بالعربية، البي بي سي بالإنجليزية، الخدمات العالمية، إذاعات الدراما، النشرات الإخبارية، البرامج الثقافية. ما لاحقه ولم يستثنِ. الرحلة صارت تعليماً مستمرّاً — لا في الكتب ولا في الفصول، بل في الأذنين، في القطار، يومياً.
ستّ مرّات في الأسبوع، عبر سنوات. الترانزستور سفر معه. الدماغ كان "زي الإسفنجة" — استعارة استخدمها بوكليب لوصف القدرة على الامتصاص في تلك المرحلة من حياته. الحوار يلتقط استمرارية لا مادة واحدة.
القصّة تشتغل في الحلقة كمنشأ ذكاء كاتب عمود. عمل بوكليب اللاحق — ثلاثة أعمدة أسبوعية وقت التسجيل، كتب، مقالات، ترجمات — مبنيّ على المادة الخام اللي امتصّها في تلك الرحلات. كاتب العمود يستهلك ليعطي. يقرا ليكتب. يسمع ليفكّر.
"زي الإسفنجة، تمتصّ." (الحلقة 142)
الاستعارة دقيقة. الإسفنجة لا تختار. تأخذ كلّ ما يلامسها. التعليمة الضمنية في القصّة هي أن البنية المهنية في كتابة العمود ليست في الإلهام، بل في الالتزام بكميّة. عبر سنوات. عبر الحركة اليوميّة.
في وقت كان فيه الليبي داخل ليبيا غير قادر على الوصول لنفس المدى من المعلومات، كان ليبيّ واحد في برايتون يبني، بصمت، أرشيفاً ذهنياً سيتحوّل لاحقاً لمتن نشري بأرشيف نصف قرن.
"زي الإسفنجة، تمتصّ." (الحلقة 142)