الحلقة: 129 — "بناء الوطن صعب في ليبيا" · استمع للحلقة كاملة
الضيف: د. مصطفى التير
التاريخ: 26 مارس 2023
في أواخر الثمانينات، الدولة القذافية أعلنت خطة لإعادة تنظيم المجتمع المدني الليبي في ثلاثة آلاف كومونة محلية. الخطة كانت امتداد بنيوي للأيديولوجيا الجماهيرية — العقيدة، اللي طوّرها القذافي عبر الكتاب الأخضر، إنّ مؤسسات الدولة التقليدية مفروض تتفكّك تدريجياً في منظومة لجان شعبية مباشرة. برنامج الثلاثة آلاف كومونة كان مفروض يكون التفعيل المتأخّر للعقيدة: بلاد مُعاد تنظيمها في خلايا إدارية صغيرة، كل وحدة في النظرية ذاتية الحكم، في الممارسة تجاوب فوق عبر الجهاز الأمني.
باش الخطة تكسب شرعية أبعد من الجهاز الأمني، النظام احتاج شخصيات أكاديمية ومهنية كبيرة تدعمه علناً. الكومونات لازم يقدّموها مش كتدخّل من النظام، بل كاعتراف بواقع اجتماعي ليبي، مصدّق من الناس اللي مدفوعين عشان يفهموا الواقع الاجتماعي الليبي.
د. مصطفى التير، بحلول أواخر الثمانينات، كان أكبر الناجين من علم الاجتماع الأكاديمي الليبي. أوّل دكتوراه ليبية في التخصص، اتدرّب في منيسوتا، ورجع لبلاد تحتاج خبرته. كان مشارك في بناء النظام الجامعي عبر السبعينات والثمانينات.
النظام طلب منه يدعم برنامج الثلاثة آلاف كومونة علناً.
رفض.
الرفض ما اتنتجش بإدانة علنية. ما كانش في بيان صحفي، ولا رسالة استقالة، ولا فعل يمكن تصويره وتوزيعه. الرفض اتنتج بغياب: مصطفى ببساطة ما حضرش الفعاليات اللي اتوقّع منه يتكلم فيها لدعم البرنامج. الرفض كان، في شكله، انسحاب مش مواجهة.
داخل بنية الحياة العامة الليبية في أواخر القذافي، الانسحاب كان كافي. ماكينة الشرعية العامة للنظام ما كانتش تطلب من الشخصيات الكبيرة تعارضها؛ كانت تطلب منهم بس ألا يصمتوا عن دعمها. الصمت، في أواخر الثمانينات، كان معارضة. صمت مصطفى اتسجّل، وكان له ثمن — في الحساب المهني، في الحساب المؤسسي، في المجموعة المعتادة من الضغوط اللي يطبقها النظام على الشريحة الصغيرة من الشخصيات الكبيرة اللي ما يقدرش يثق فيها.
مصطفى ما يحكي الثمن بالتفصيل في الحلقة. الإحجام متّسق مع نسيج المقابلة كلّها. ما يقدّم نفسه كراجل دفع ثمن بطولي. يقدّم نفسه كعالم اجتماع، في لحظة معيّنة، ما قدرش بضميره يسلّف اسمه لبرنامج ما كان يعتقد إنّه حيشتغل. الثمن معترف به بلا التماس تعاطف.
ثورة 2011 فكّكت النظام اللي بنى برنامج الكومونات. الكومونات نفسها انفكّت مع النظام. مشروع الثلاثة آلاف كومونة ينتمي، بحلول 2023، لأرشيف خاص من التجارب الإدارية الليبية — قطع أثرية من دولة نظّمت نفسها حول نص أيديولوجي وحيد.
جملة مصطفى على انهيار ما بعد 2011 — "الجدفي راح معاه الوطن" — تجلس في توتر منتج مع الرفض. الراجل اللي رفض النظام في الثمانينات هو كذلك الراجل اللي يقدر، بحلول 2023، يصف سقوط النظام كنكبة بنيوية على البلاد اللي حكمها. الموقفين مش متناقضين. هما النصفين لقراءة سوسيولوجية لنفس الدولة.
القصة دراسة في الرفض الصامت. معظم الأرشيف العام للمعارضة السياسية الليبية للقذافي يتكوّن من الحالات الصاخبة — السجناء، المغتالين، المنفيين. الحالات الأهدى أقلّ توثيقاً. تتكوّن من مهنيين كبار ما سلّفواش، لمّا اتطلب منهم، أسماءهم للنظام. الحالات الأهدى كذلك كانت شكل من أشكال الرفض، وكذلك كان لها ثمن.
القصة هي توثيق حالة من حالاتها.