ضميري، عبر مواسمه، يبني أرشيف صوتي للسجن السياسي الليبي بشكل خاص، والعربي بشكل أوسع. الموضوع ما يطرحش بشكل تجريدي. يطرح عبر شهادات: أبناء حملوا غياب آبائهم، ناجين خرجوا بعد سنين، أكاديميين رفضوا بصمت، روائيين حوّلوا الزنزانة لقاعة قراءة. كل شهادة شكل مختلف للسؤال الأعمق: شن يصير لمّا دولة تحبس مواطنيها على أساس الكلام، الكتابة، أو الانتماء؟
ليبيا تحت القذافي بنت منظومة سجون سياسية كبيرة. أبو سليم، الكويفية، الحصان الأسود، الجدائد، وغيرها. النظام استخدم السجن مش بس كعقوبة، إنّما كتحذير ممتد. الحكم اثنا عشر سنة على منصور بوشناف في الواحد وعشرين من عمره ما كانش لأنّ مسرحيته كانت تهديد وجودي. كان لأنّ وجودها أظهر إنّ احتكار الدولة لتسمية الحكام مش مطلق، والاعتقال كان البرهان إنّ الدولة حترد بثمن مُعاير لردع الإظهارات اللي بعدها.
النمط يظهر في ضميري عبر:
نمط ثاني، أقلّ وضوحاً، أرشفه ضميري كذلك: الرفض اللي ما يجيب اعتقال، لكنّه له ثمن. د. مصطفى التير (الحلقة 129) قدّم النموذج الأنقى. عالم اجتماع كبير، اتطلب منه يدعم برنامج الكومونات في أواخر الثمانينات، رفض بالغياب — ما حضرش الفعاليات، ما تكلّم في المنابر. الانسحاب كان كافي ليتسجّل ضدّه، وكانت له تبعات مهنية. الرفض الصامت شكل سياسي: ما يطلبش بطولة علنية، لكنّه يحفظ كرامة معيّنة لا تتسوّق.
الأبناء يرثوا السجن السياسي بطرق مختلفة. هشام مطر حوّل اختفاء والده لرواية وعمل تأبين عبر العودة، الكتاب اللي جاب جائزة بوليتزر 2017. مجهول (الحلقة 106) لسه ما يقدر يحكي قصة والده في العلن بشكل كامل، وما زال يختار الإخفاء بعد 11 سنة على الثورة. كل ميراث له شكل مختلف، لكن البنية واحدة: السجن السياسي ما ينتهي بإطلاق سراح السجين. يستمر في ذاكرة الأطفال.
أكثر إعادة تأطير لافتة جابها ضميري كانت من منصور بوشناف: السجن كقاعة قراءة. علّم نفسه ثلاث لغات داخل الزنزانة. قرا غارسيا ماركيز بالإسباني. قال إنّ السجن أنقذه من موت أعمق — موت إنّك تكون كاتب ليبي شاب ينشغل بسطح بلاده بلا قراءة عميقة. التأطير ما يلغي الضرر، لكنّه يرفض إنّ الضرر يكون كل ما يقال. هو موقف يتطلّب جرأة معيّنة: التأكيد إنّ السنين ما اتسرقوش بالكامل.
السجن السياسي العربي ما هوش حصري على ليبيا. ضميري قاعد يفتح كذلك لشهادات سورية (وعد الخطيب وثّقت تدمير حلب من الداخل، عائلتها اضطرّت تطلع من سوريا قبل عرض إلى سما بثلاثة أيام — شكل ثاني من الاضطهاد السياسي). رنا داود حملت عنف عائلي وعنف دولة معاً في بيتها اللبناني. الخيط المتعمّق هو إنّ السلطوية العربية تشتغل عبر نطاق واسع من الأدوات، السجن أحد أبرزها لكن مش الوحيد.
في المواسم القادمة، ضميري حيستضيف غسان عتيقة (متوقع، حلقة قادمة) — تجربة سجن طويلة ثانية، تنتظر التوثيق.