الحلقة: 46 — "تقبل الحياة اللي اخترتها بحلوها ومرها" · استمع للحلقة كاملة
التاريخ: الموسم الخامس
اللغة: عربي
مكان التسجيل: عن بُعد — إسطنبول/لندن
جوهر علي — صحفي ومترجم ليبي من مدينة درنة، مقيم في إسطنبول وقت التسجيل. عمره 25 سنة. الابن الأصغر في عائلة كبيرة — والده متزوج بزوجتين، بيت في درنة وبيت في قرية مرتوبة، 23 كم جنوب شرق درنة. أخوه الأكبر يكبره بعشرين سنة. والده يحب التاريخ، وأسماء العائلة كلها مستوحاة من أسماء تاريخية عربية.
جوهر يعرّف نفسه بأنه صحفي ومترجم أولاً. في الفترة الأخيرة اشتُهر أكتر بكونه مقدّم مادة تعليمية في مجال المناظرة عبر منصة "حصة" الليبية للتعليم الإلكتروني. محب للغات، شغوف بكرة القدم لدرجة الجنون — ريالي للأسف — ويصف نفسه بأنه اجتماعي لأبعد الحدود.
كان يعمل مترجماً لحسابات وزير الداخلية على تويتر، ويكتب مقالات باسم مستعار على منصات تخشى أن تُهاجَم لو نشرت باسمه الحقيقي.
في يوم صار يُعرف محلياً بـ"الاثنين الأسود"، تعرّضت درنة لقصف من الطيران المصري. كانت أول مرة تُنتهك فيها الأجواء الليبية بشكل صريح من طيران أجنبي. القصف استهدف حي شيحة الغربية — الحي اللي يسكن فيه جوهر.
جوهر ركب سيارة مع شباب الجيران وراح لمكان القصف. وصل ولقى الدمار. صاروخ خش بشكل أفقي في شارع مجاور، ودمّر حوالي ثمان مباني سكنية. سبعة عشر شخص ماتوا — أغلبهم نساء وأطفال. منظمة العفو الدولية وثّقت الحادثة.
وهو يصوّر، تعرّض المكان لقصف ثاني. الناس جرت. جوهر ما يعرف من وين جاته الشجاعة — انطمر تحت عمارة مجاورة، وخلّى الكاميرا ثابتة تصوّر القصف. الفيديو نشره الساعة 9 وربع الصباح، وخلال ساعات حصل على أكتر من 60 ألف مشاهدة. تواصلت معه وكالة الأناضول واشترت منه صور حصرية، والجزيرة أخذت منه مواد خام.
في تلك اللحظة اكتشف أن الصحافة مش بس وسيلة لإيصال صوت ناس مطحونة ما تقدر توصل صوتها للعالم، بل أيضاً وسيلة لكسب العيش.
جوهر عاش في مصراتة من نهاية 2018 لنهاية 2019. كان يدرس لسانيات اللغة الإنجليزية في الأكاديمية الليبية للدراسات العليا، وانضم لمؤسسة حوار المناظرة — البيئة اللي وصفها بـ"المتجانسة" حيث ناس من مختلف الخلفيات يعبّروا عن أفكارهم. لقى فيها عائلته الثانية ودخل المجتمع المصراتي الشبابي.
في 19 نوفمبر 2019، نشر جوهر فيديو على سناب شات بعد قصف تعرّضت له مصراتة. استخدم كلمة "متكلبين" يصف فيها حالة الناس — كلمة تعبّر عن الذعر والخروج عن الطور. الفيديو أُخذ من سياقه، وصفحات على فيسبوك روّجت له بتأويل معادي. كونه من شرق ليبيا زاد من حدة ردة الفعل.
ميليشيات مسلحة، جهات أمنية، والأهالي — الكل بدأ يدوّر عليه. صاحبه نصحه يسلّم نفسه لمديرية الأمن باعتبارها "الحل الأقل سوءاً." وقف قدام المديرية، ونزلت سيارتين مظلمات. رجال ملثمين مسلحين سحبوه، حطّوا مؤخرة المسدس على راسه، وبدوا يضربوه. ركّبوه في السيارة ونزّلوا ضربوشته على عيونه.
ما يلي كان تعذيباً. ضُرب بالمسدس على رأسه. تعرّض للفلقة — ضرب باطن القدمين بطريقة موثّقة كوسيلة تعذيب في المنطقة. حُبس في زنزانة متر في متر. اتصلوا بأمه وقالوا لها قتلناه.
جوهر وصف التجربة بتماسك لا يخفّف من بشاعتها. صحفي اختُطف وعُذّب من ميليشيا على أساس فيديو سوشيال ميديا أُعيد تأويله. ما كان في إجراء قانوني، ولا تهم، ولا محاكمة. الاحتجاز كان خارج القانون، والعنف متعمّد، والحرب النفسية — إخبار أمه بموته — محسوبة لتسبيب أقصى ضرر.
شوف: اختطاف مصراتة
جوهر قال هذه الجملة كتلخيص لعلاقته بالتهجير. ما كان يتفلسف عن الكوزموبوليتانية. كان يوصف الحساب البسيط لشخص اتعذّب في بلاده: الوطن مش وين تولدت، الوطن وين ما تكون في خطر. إسطنبول وقت التسجيل كانت المكان هذا — مش لأنه اختارها، بل لأن ليبيا ما تقدر تضمن له سلامته.
"أي مكان تستشعر فيه الأمان سيكون هو وطنك." (الحلقة 46)