الحلقة: 129 — "بناء الوطن صعب في ليبيا" · استمع للحلقة كاملة
التاريخ: 26 مارس 2023
اللغة: عربي ليبي
د. مصطفى التير عالم اجتماع ليبي رائد. أول ليبي يحصل على الدكتوراه في علم الاجتماع، منحها له جامعة منيسوتا 1971. قضى العقود اللي بعدها يدرّس ويبحث في المؤسسات الليبية والعربية، وأنتج جسماً من الشغل على البنية الاجتماعية الليبية يعتبر، في 2023، تأسيسياً. في نهاية الثمانينات من عمره وقت التسجيل، واحد من أقدم وأشهر رموز الجيل الأول من العلوم الاجتماعية الأكاديمية في ليبيا.
ولسه يسبح حوالي خمسة كيلو في اليوم في بحر طرابلس. التفصيلة هذه تُذكر في الحلقة بلا تزيين. هي عبارة بسيطة عن علاقة الراجل بجسده وبالبحر اللي مدينته قاعدة عليه.
شغل مصطفى الدكتوري في منيسوتا في نهاية الستينات وبداية السبعينات حطّه داخل التقليد الاجتماعي الأمريكي في لحظة خاصة — بعد التوسّع ما بعد الحرب للتخصص، وفي الفترة اللي كانت فيها العلوم الاجتماعية الأمريكية تواجه فيتنام والحقوق المدنية وحدود نموذجها الكمي. رجع لليبيا والتدريب معاه سليم، وأنتج ما كان وقتها أول شغل سوسيولوجي ليبي منهجي.
الرجوع ما كانش لبلاد فيها بنية أكاديمية متطوّرة. نظام الجامعات الليبي في السبعينات لسه يتبنى. مصطفى كان، عملياً، واحد من اللي يبنوه.
أكثر تفصيلة سيرة في الحلقة هي كذلك من أعجب التفاصيل في أرشيف ضميري. حوالي 1961، عقد قبل ما يكمّل الدكتوراه، مصطفى كان يدرّس في مدرسة بسبها، جنوب ليبيا. واحد من تلامذته كان شاب اسمه معمر القذافي — في هذيك المرحلة، مراهق، لسه ما هوش ضابط عسكري، ولسه ما هوش حاجة غير طالب في بلدية ليبية جنوبية.
مصطفى، بصفته معلّم وبعدها إداري مدرسة، وقّع شخصياً الورقة اللي طردت القذافي من المدرسة. السبب كان تأديبياً. ينقل الواقعة بلا أي دراما. ما يلتمس المفارقة الواضحة — الراجل اللي طرده، صار يحكم البلاد اللي طُرد فيها — وما ينتجش إطار خلاص للحلقة. يذكر الواقعة، ويواصل.
نهاية الثمانينات، الدولة القذافية أعلنت برنامج لإعادة تنظيم المجتمع المدني الليبي في ثلاثة آلاف كومونة محلية — امتداد بنيوي للجماهيرية، الهدف منه إذابة الفرق التقليدي بين الدولة والمواطن. مصطفى، في هذيك المرحلة أكاديمي كبير ذو مكانة عامة كبيرة، اتطلب منه يدعم البرنامج علناً. رفض.
الرفض ما اتنتجش بمواجهة علنية. اتنتج بغياب التأييد العلني — مصطفى ببساطة ما حضرش الفعاليات اللي اتوقّع منه يتكلم فيها لدعم البرنامج. الرفض كان له ثمن. يصف الفترة بلا التماس تعاطف. الثمن كان الثمن.
الحلقة تعامل الرفض كاللحظة المركزية لحياته العامة. هي اللحظة اللي فيها شخصية أكاديمية كبيرة، بفهم كامل لشن حيكلّفه الرفض، رفضت تسلّف اسمها للدولة.
أكثر جملة مقتبسة من الحلقة هي صياغة مصطفى للي صار لليبيا في السنوات بعد 2011:
"أنا اعتبرت — القذافي لما راح، الجدفي راح معاه الوطن."
— الحلقة 129
الجملة، خلاف ما يبدا لأول وهلة، مش اعتذار للنظام. مصطفى ما كانش مع النظام. الجملة ادعاء تشخيصي على مرحلة ما بعد 2011: جهاز الدولة اللي بناه القذافي كان منظّم بالكامل حول شخصه، لدرجة إنّ انهياره وقت سقوطه كان بنيوياً وكلياً. البلاد ما انتقلتش. ذابت.
الجملة يقولها راجل رفض، عقود قبل، إنّه يدعم برنامج كومونات القذافي. الرفض والتشخيص قاعدين جنب بعض بلا تناقض. التشخيص مش موافقة. هو تقييم عالم الاجتماع الكبير للنظام اللي قضى حياته يدرسه.
التفصيلة تختم البورتريه. مصطفى، في نهاية الثمانينات من عمره، لسه يسبح حوالي خمسة كيلو في اليوم على ساحل طرابلس. الواقعة مقدّمة كتفصيلة سيرة بسيطة مش كمحتوى ملهم. هي عبارة عن راجل، جسده وانضباطه لسه شغّالين على مستوى أكثر الرجال اللي أصغر منه بأربعين سنة ما يقدروش يلحقوا بيه.
"الصيف نمشي أحياناً قبل تطلع الشمس، وتطلع الشمس وأنا في البحر. في الشتاء... الشرط في الشتاء أن يكون فيه شمس، والريح ما تكونش قوية هلبا."
— الحلقة 129
"القذافي راح معاه الوطن."
— الحلقة 129